أبي الفرج الأصفهاني
387
الأغاني
والشّراة يومئذ ستّمائة رجل ، فكانت الحدّة يومئذ وبأس الشراة واقعا ببني [ 1 ] تميم وبني سدوس . وأتى ابن عبيس وهو يجود بنفسه فاستخلف على الناس الرّبيع بن عمرو / الغدانيّ ، وكان يقال له الأجذم ، كانت يده أصيبت بكابل مع عبد الرحمن بن سمرة . واستخلف نافع بن الأزرق عبيد اللَّه بن بشير بن الماحوز [ 2 ] أحد بني سليط بن يربوع . فكان رئيسا المسلمين والخوارج جميعا من بني يربوع ، رئيس المسلمين من بني غدانة بن يربوع ، ورئيس الشّراة من بني سليط بن يربوع ، / فاتّصلت الحرب بينهم عشرين يوما . قال المدائني في خبره : وادّعى قتل نافع بن الأزرق رجل من باهلة يقال له سلامة . وتحدّث بعد ذلك قال : كنت لما قتلته على برذون [ 3 ] ورد فإذا أنا برجل ينادي ، وأنا واقف في خمس [ 4 ] بني تميم [ 5 ] ، فإذا به يعرض عليّ المبارزة فتغافلت عنه ، وجعل يطلبني وأنا أنتقل من خمس إلى خمس وليس يزايلني ، فصرت إلى رحلي ثم رجعت فدعاني إلى المبارزة ، فلما أكثر خرجت إليه ، فاختلفنا ضربتين فضربته فصرعته ، ونزلت فأخذت رأسه وسلبته ، فإذا امرأة [ 6 ] قد رأتني حين قتلت نافعا ، فخرجت لتثأر به . قالوا : فلما قتل نافع وابن عبيس وولَّي الجيش إلى ربيع بن عمرو لم يزل [ 7 ] يقاتل الشّراة نيّفا وعشرين يوما ، ثم أصبح ذات يوم فقال لأصحابه : إني مقتول لا محالة ؛ قالوا : وكيف ذلك ؟ قال : إني رأيت البارحة كأنّ يدي التي أصيبت بكابل انحطَّت من السماء فاستشلتني . فلما كان الغد قاتل إلى الليل ثم غاداهم [ 8 ] فقتل يومئذ - قال : استشلاه : أخذه إليه . يقال : استشلاه واشتلاه - قال : فلما قتل الربيع تدافع أهل البصرة الراية حتى خافوا العطب إذ لم يكن لهم رئيس ؛ ثم أجمعوا على الحجّاج بن باب الحميريّ . وقد اقتتل الناس يومئذ وقبله بيومين قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله ، تطاعنوا بالرماح حتى تقصّفت ، / ثم تضاربوا بالسيوف والعمد حتى لم يبق لأحد منهم قوة ، وحتى كان الرجل منهم يضرب الرجل فلا يغني شيئا من الإعياء ، وحتى كانوا يترامون بالحجارة ويتكادمون [ 9 ] بالأفواه . فلما تدافع القوم الراية وأبوها واتّفقوا على الحجّاج بن باب امتنع من أخذها . فقال له كريب بن عبد الرحمن : خذها فإنها مكرمة ؛ فقال : إنها لراية مشئومة ، ما أخذها أحد إلا قتل . فقال له كريب : يا أعور ! تقارعت العرب على أمرها ثم صيّروها إليك فتأبى خوف القتل ! خذ اللواء ويحك ! فإن حضر أجلك قتلت إن كانت معك أو لم تكن . فأخذ اللواء وناهضهم ، فاقتتلوا حتى انتقضت الصفوف وصاروا كراديس [ 10 ] ، والخوارج أقوى عدّة بالدروع والجواشن [ 11 ] . وجعل الحجّاج يغمض عينيه ويحمل حتى يغيب في الشّراة ويطعن فيهم ويقتل حتى يظنّ أنه قد قتل ، ثم يرفع رأسه وسيفه يقطر
--> [ 1 ] كذا في أ ، . وفي سائر الأصول : « بين تميم . . . » . [ 2 ] كذا في « الكامل » للمبرد في أكثر من موضع و « الطبري » . وفي جميع الأصول : « الماخور » . ( بالخاء المعجمة والراء المهملة ) . [ 3 ] البرذون : واحد البرادين ، وهي من الخيل ما كانت من غير نتاج العرب . [ 4 ] كذا في ح هنا وفيما يأتي و « الكامل » للمبرد . وأخماس البصرة خمسة : الخمس الأول العالية ، والثاني بكر بن وائل ، والثالث تميم ، والرابع عبد القيس ، والخامس الأزد . وفي سائر الأصول هنا وفيما يأتي : « خميس » . [ 5 ] في « الكامل » ( ج 2 ص 617 طبع أوروبا ) : « وأنا واقف في خمس قيس ( صوابه عبد القيس ) ينادي : يا صاحب الورد ، هلم إلى المبارزة ، فوقفت في خمس بني تميم فإذا به يعرضها عليّ . . . إلخ » . [ 6 ] كذا في ح و « الكامل » للمبرد . وفي سائر الأصول : « فإذا هي امرأته . . . إلخ » . [ 7 ] في ب ، س : « ولم يزل » . [ 8 ] كذا في « الكامل » للمبرد . وغاداهم : باكرهم . وفي جميع الأصول : « ثم عاد . . . إلخ » . [ 9 ] تكادموا بالأفواه : تعاضوا . [ 10 ] الكراديس : كتائب الخيل ، واحدها كردوس . [ 11 ] الجواشن : جمع جوشن وهو زرد يلبسه الصدر .